نصر حامد أبو زيد
108
الاتجاه العقلي في التفسير
وبهذا التحليل للأسلوب التصويري في القرآن ، بما يتممنه من اسناد فعل الانسان إلى الحيوان ، وهو تحليل يركّز على زاوية الرؤية النحوية في المجاز ، يمكن لنا أن نعلل عدم وجود مصطلح « الاستعارة » عند الفراء . على أن تحليله لبعض الصور الاستعارية لم يخل من احساس بدور التعبير الاستعاري في تجسيد المعنوي . يقف أمام قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ ليقول « البرزخ من يوم يموت إلى يوم يبعث . وقوله وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً يقول : حاجزا . والحاجز المسافة البعيدة ، وتنوي الأمر المانع ، مثل اليمين والعداوة ، فصار المانع في المسافة كالمانع في الحوادث ، فوقع عليهما البرزخ » 51 وهو شرح يركز على وجه الشبه الذي يسمح باستعمال اللفظ الواحد في معنيين متقاربين ، أحدهما حسي والآخر معنوي . فالحاجز في الأصل - هو المسافة البعيدة ، وهذا هو المعنى الحسي ، ولكن اللفظة قد تستخدم في كل ما يمنع من اللقاء مثل اليمين والعداوة . . الخ فاستعمال اللفظ في المعنى الثاني ونقله عن المعنى الأول يمكن لعلاقة المشابهة بينهما . وقد لاحظنا من قبل أن اسناد أفعال الآدميين لغير الآدميين وكذلك ضمائرهم لا بدّ أن يقوم على أساس المشابهة . وهذا كله يجعل التشابه هو أساس التجاوز أو الانتقال في الدلالة عند الفراء . ومثال آخر يؤكد هذا المنحى في فكر الفراء نجده في قوله تعالى فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً حيث يقول « والذنوب في كلام العرب : الدلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ . وبذلك أتى التفسير : فان للذين ظلموا حظا من العذاب ، كما نزل بالذين من قبلهم ، وقال الشاعر : لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب » 52 وإذا كان التشبيه هو الأصل في التجاوز . سواء في اسناد الأفعال أو الضمائر ، فمن الطبيعي أن يتوقف الفراء عند « المثل » - التشبيه - وقفة تكشف عن طبيعة فهمه له . ومن الطبيعي أيضا أن تكون وقفته في تحليل المثل - التشبيه - هي وقفة النحوي الذي تستلفت نظره ظواهر نحوية في الأسلوب . يتوقف عند قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً والظاهرة التي تستوقفه في هذه الآية أن المشبه جمع بينهما المشبه به مفرد ، فكيف يمكن أن يقع التشبيه على ذلك ؟ ويدفعه هذا التساؤل إلى تحليل لوجه الشبه « فإنما ضرب المثل - واللّه أعلم - للفعل لا للأعيان ، وإنما هو مثل للنفاق ، فقال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ، ولم يقل الذين استوقدوا . وهو كما قال اللّه تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وقوله ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ، فالمعنى - واللّه أعلم - إلّا كبعث نفس واحدة ، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ